الشيخ محمد رشيد رضا
212
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الواهية والموضوعة ، بل راج عنده ما دونها من كلام جهلة المتصوفة وتخيلات الشعراء كقول الشاعر : جرى قلم القضاء بما يكون * فسيان التحرك والسكون جنون منك ان تسعى لرزق * ويرزق في غشاوته الجنين فانظر كيف ينسى الانسان ميله وحبه للشئ علمه وفقهه حتى يستحسن ما يخالفهما وإلا فان جهالة هذا الشاعر لا تخفى على من دون أبى حامد علما وفقها ، فان جريان قلم القضاء بما يكون لا يقتضى كون الحركة والسكون سيين لأن الواقع في كل زمان ومكان هو ما جرى به القضاء ، ومنه نعلم أن سنة اللّه في الحركة غير سنته في السكون وسنن اللّه لا تتغير ولا تنقض ، وكونهما كذلك يناقض كونهما سيين ، ولو كان قضاء للّه تعالى كلزعم الشاعر الجاهل لما قال ( 67 : 15 فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) ولما قال ( 62 : 10 فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) والمشي والانتشار في والأرض من الحركة لا من السكون . وما جاء به من الجهل في البيت الثاني أبعد عن الصواب مما في البيت الأول ، فإنه قاس حياة الرجل العاقل القادر على حياة الجنين وسنة اللّه فيهما مختلفة كما هو معلوم بالضرورة ، ولو صح هذا القياس لصح أيضا قياس الانسان على النبات من نجم وشجر فان غذاء الجنين أشبه بغذاء النبات منه بغذاء لحيوان . فأي الفريقين أحق باسم الجنون ؟ أمن يقول إن سنة اللّه في الجنين يتكون في بطن أمه كسنته في الرجل الذي بلغ أشده وجعل له اللّه رجلين يمشى بهما ويدين يبطش بهما وسمعا وبصرا يسمع بهما ويبصر ، وعقلا به يفكر ويدبر ؟ أم من يقول إن سنته تعالى فيهما مختفلة ؟ هذا وإن كل ما ورد في الكسب حجة على كون التوكل لا ينافي العمل والسعي للدنيا ، وقد تقدم ذكر بعض الآيات في ذلك ومنها قوله تعالى ( 11 : 6 هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ) وقوله ( 15 : 20 وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) وقوله ( 78 : 11 وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ) ومن الأحاديث الشريفة قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « خير الكسب كسب العامل إذا نصح » رواه أحمد بسند حسن والبيهقي والديلمي وابن خزيمة بلفظ « كسب يد العامل » وقال الهيثمي رجاله ثقات . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « التاجر الصدوق